حضرموت بين "الشرعية" وأتباع الإمارات... هل ستحسم الصراع؟

[ حضرموت بين "الشرعية" وأتباع الإمارات ]

 لا يزال الموقف في مدينة عدن اليمنية غامضاً بشكل كبير ليدفع أبناء حضرموت ونخبها المؤثرة للتحفّظ على إعلان موقف مؤيد لـ"المجلس الانتقالي الجنوبي"، أو لشرعية الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي. فالشخصية الحضرمية أكثر عمقاً وهدوءاً من الانجرار وراء المواقف المستجدة في الساحة اليمنية. وفي موقف شديد الحذر، أعرب متحدث باسم مؤتمر حضرموت الجامع عن موقف المؤتمر من أحداث عدن الأخيرة، بالدعوة إلى الاحتكام لوقف إطلاق النار وصون دماء الجنوبيين، فلا منتصر في ما يجري "إلا العدو المتربص". إلا أن مؤشرات أخرى يمكن أن توضح بشكل أو بآخر موقف حضرموت من سيطرة "الانتقالي الجنوبي" في عدن على مؤسسات الدولة، في ما وصفته حكومة هادي بأنه "الانقلاب الثاني" عليها.
 
وفي إبريل/ نيسان 2017، قال محافظ حضرموت السابق اللواء أحمد بن بريك، إن مؤتمر حضرموت الجامع "يطوي صفحة 50 عاماً" من تاريخ حضرموت، أي أن ذلك يتضمّن وجود حضرموت كمحافظة تحمل الرقم 5 من محافظات جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (جنوب اليمن) الست المعلنة في نوفمبر/ تشرين الثاني 1967، ثم حضرموت كأكبر محافظة من حيث المساحة في الجمهورية اليمنية (193 ألف كيلومتر مربع، أي أكبر من مساحة بلد كسورية) منذ 22 مايو/ أيار 1990 وأغناها بالثروات الطبيعية. بعد تصريح بن بريك بأيام قليلة، في مايو 2017، كان رئيس مؤتمر حضرموت الجامع عمرو بن حبريش يوضح للإعلام أن موقف اللواء بن بريك الذي حرص على أن يسبقه بـ"في ما يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي"، "لا يمثّل حضرموت على الإطلاق".
 
تلك هي حضرموت إذاً، فإقالة بن بريك من منصبه كمحافظ لها في حكومة هادي، وهو يشغل حالياً منصب رئيس الجمعية الوطنية في "الانتقالي الجنوبي"، وهي كيان يوازي البرلمان غير المنتخب، جعلت من الرجل معارضاً لهادي، كعيدروس الزبيدي الذي أصبح رئيساً لـ"الانتقالي" بعد إقالته من منصبه كمحافظ لعدن أيضاً. لكن حضرموت لم تنجر وراء محافظها السابق، بل اختارت موقفها الخاص ككيان يرى في نفسه بنية مختلفة عن باقي جنوب وشمال اليمن معاً.
 
حقوق الحضارم أولاً
 
تأسس مؤتمر حضرموت الجامع في المكلا (مركز المحافظة)، مطلع 2017، بفارق أسابيع قليلة عن تأسيس "المجلس الانتقالي الجنوبي" في عدن. وإن بدا أن "الانتقالي" تأسس كردة فعل على قرارات هادي بإقالة الزبيدي وهاني بن بريك، فإن "حضرموت الجامع" كان خطوة متقدمة في جهود الحضارم لتوحيد مواقفهم حيال المستجدات في المشهد اليمني، ونشأ بعد خطوات متأنية ومدروسة لتمثيل حضرموت والتعبير عنها وعن مصالحها ومطالب أبنائها، بعد استيعاب آراء ومواقف كافة القوى الحضرمية، الحزبية والاجتماعية.

وبعد ظهور كيانات مجتمعية وقبلية متعددة في حضرموت تحاول التعبير عن المحافظة أو تمثيلها أمام الغير ككيان منفرد، تشكّل مؤتمر حضرموت الجامع ليضم كل هذه الكيانات تحت مظلته ومظلة حضرموت الهوية والمحافظة والتاريخ، كما عكسته وثيقة التأسيس، في تجربة شبيهة بطريقة تشكيل حزب "المؤتمر الشعبي العام" الحاكم في شمال اليمن في العام 1982، ليصبح رئيس حلف قبائل حضرموت عمرو بن حبريش رئيساً لمؤتمر حضرموت، من دون التخلي عن صفته كرئيس للتحالف القبلي.
 
وكانت ولادة "حضرموت الجامع" من سوء طالع "الانتقالي الجنوبي"، الذي تحوّل على مستوى المحافظة إلى مجرد كيان ضمن عدة كيانات تشكّل "حضرموت الجامع"، وتعبّر عن قضايا حضرموت أمام الغير، ككيان مُركب سياسياً واجتماعياً وقبلياً، تحت سقف البيت الحضرمي.
 
وقبل قرابة شهر واحد، عندما قامت الحكومة اليمنية بإجراء بعض الخطوات الميدانية لمنح قيادات فيها امتيازات متعلقة بتصدير النفط، قال بيان لـ"المؤتمر الجامع" إنه "في الوقت الذي تعلو فيه الأصوات عالياً في حضرموت لوقف نزيف الإهدار والنهب للثروة النفطية، يستمرئ النافذون استمرار عبثهم بصورة مستفزة، وتحدٍ سافر لتضحيات أبناء حضرموت جميعاً في هبتهم الشعبية المجيدة".
 
وفي مطلع أغسطس/ آب، صدر بيان للمؤتمر قال "إن مؤتمر حضرموت الجامع كمظلة للجميع يقف مع الحضارم جميعاً في استعادة حقوق حضرموت، وتمكين أبنائها في إدارة شؤونها السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والعسكرية والأمنية، ورسم حاضرهم ومستقبلهم بموجب ما توافقوا عليه، وما تضمنته مخرجات المؤتمر".
 
لغة "حضرموت الجامع" وخطاباته، تقف عند حدود حضرموت، ولا تتجاوزها بشكل يُمكن من خلاله اعتبارها جزءاً من الجنوب اليمني، أو من الدولة اليمنية الموحّدة، وهذه سياسة واضحة ولغة محسوبة منذ تأسيس المؤتمر حتى اليوم، والتي تسعى، في حال إعلان الدولة الاتحادية عملياً، إلى "أن يكون لحضرموت تمثيل في الحكومات الاتحادية، والهيئات والقطاعات والمجالس الاتحادية، والمجلس البرلماني، بما يتوافق مع مساحتها الجغرافية وتعدادها السكاني، وإسهامها في الميزانية الاتحادية"، وأن "يمنح برلمان حضرموت الحق في تصديق وتوقيع الاتفاقيات والمعاهدات والعقود في مجال الأسماك والاستكشافات النفطية والمعدنية والغاز وعقود الاستثمار داخل حضرموت". وكما ورد في وثيقة تأسيس المؤتمر "يحق لأبناء حضرموت ترك الاتحاد متى رأوا أنه لم يعد على النحو الذي اتُّفِقَ عليه، بما يضمن امتلاكه لكافة حقوقه، ويحفظ الهوية الحضرمية، وبخاصةٍ الهوية الثقافية والاجتماعية والمدنية".
 
توزع القوى في المحافظة
 
في ذروة الاشتباكات في عدن، هنأ محافظ حضرموت ووكيل المحافظة الأول، هادي بعيد الأضحى، في دلالة رمزية على عدم الاعتراف بنتائج ما جرى في عدن، مع استثناءات تدعم ما جرى في عدن والخطاب باسم الجنوب، وليس باسم حضرموت، اقتصرت على أعضاء "المجلس الانتقالي الجنوبي" في "مؤتمر حضرموت" باعتباره مظلة لكل القوى الحضرمية.
 
ما تقدّم لا يعني أن حضرموت كيان موحّد من دون أصوات مختلفة، بل إن لغة "حضرموت الجامع" تعكس تماماً وجود اختلاف وتباين داخل البنية الحضرمية، لكنها تحافظ على مصالح الحضارم في أي صيغة مستقبلية لليمن القائم حالياً. فعلى الرغم من وجود "الانتقالي الجنوبي" في المكلا وغيرها من مدن حضرموت الرئيسية، مثل سيئون، إلا أن حضوره لم يطغ على الكيانات السياسية القديمة والتقليدية كحزبي "المؤتمر" و"الإصلاح"، وارتفع صوت "الانتقالي" محلياً بالتوازي مع النفوذ الذي تتمتع به دولة الإمارات الداعمة له. لكن الصوت الخافت لحزب "الإصلاح" ولقيادات حزب "المؤتمر الشعبي العام" ما زال قادراً على التأثير والحسم في المشهد الحضرمي اليوم، وذلك ما عكسته انتخابات جامعة حضرموت للاتحاد الطالبي، العام الماضي، حسب صحافي حضرمي.
 
بعد رفض "الانتقالي الجنوبي" عقد جلسات البرلمان اليمني في عدن، كانت سيئون هي الخيار الاضطراري لعقد جلسات البرلمان. وسيئون هي عاصمة الدولة الكثيرية التي استمرت حتى استقلال الجنوب عن بريطانيا (30 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967)، ومركز وادي حضرموت، أي الكيان الاجتماعي والسياسي الموازي للمكلا عاصمة ساحل حضرموت والمحافظة اليوم.
وفي توزيع موازٍ، تستضيف المكلا مقر قيادة المنطقة العسكرية الثانية التي يرأسها محافظ حضرموت الحالي اللواء فرج سالمين البحسني، وتستضيف سيئون قيادة المنطقة العسكرية الأولى التي يرأسها اللواء صالح طيمس، وهو قائد موالٍ لهادي، وما زالت منطقته العسكرية هي الوحيدة في الجمهورية اليمنية التي ينتمي منتسبوها إلى كل مناطق ومحافظات اليمن كما كانت في عهد الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، بعكس المناطق العسكرية الأخرى التي تأثرت بالتغيرات التي شهدها اليمن منذ 2011، وهيكلة هادي للجيش منذ 2012 عبر مستشارين عسكريين، أبرزهم من الأميركيين والأردنيين، والتي كان أبرز خطواتها إلغاء تشكيلات قوات الحرس الجمهوري بقيادة العميد أحمد علي صالح (نجل صالح)، وإلغاء قوات الفرقة الأولى مدرع بقيادة اللواء علي محسن الأحمر، وإعادة توزيع تسمية المناطق العسكرية، إذ كانت حضرموت تقع في إطار المنطقة العسكرية الشرقية بقيادة محمد علي محسن، الموالي للواء الأحمر، قبل أن تصبح منطقتين عسكريتين (الأولى والثانية).
 
وجود طيمس في سيئون، كان عاملاً مساعداً للشرعية عند عقد جلسات البرلمان اليمني الموالي للشرعية قبل رمضان في سيئون، وبحماية سعودية عبر منصات الدفاع الصاروخي (باتريوت)، التي تصدّت لعدد من الطائرات المسيرة من دون طيار التي أطلقها الحوثيون على مقر انعقاد البرلمان يومها.
 
وفي إطار النفوذ الإقليمي، يُعدّ ساحل حضرموت والمنطقة العسكرية الثانية وقوات "النخبة الحضرمية" أقرب للإمارات، التي تصدّت علنياً لإخراج تنظيم "القاعدة" من المكلا في إبريل 2016، ولكن بعدما تعرضت المخازن الاستراتيجية للسلاح الواقعة في جبال الأدواس، الفاصلة بين ساحل ووادي حضرموت، أو المنطقتين العسكريتين الأولى والثانية، للنهب على يد عناصر التنظيم. وعلى الرغم من أن سيطرة "القاعدة" بين إبريل 2015 وإبريل 2016، كانت في مناطق اختصاص المنطقة الثانية، فإن أصابع الاتهام اليوم تصوب نحو مناطق اختصاص المنطقة الأولى باعتبارها جغرافياً مركزاً لنشاط "القاعدة" اليوم، حسب اتهام "الانتقالي الجنوبي" اليوم، لكن القيادة العسكرية الأولى تقول إن تلك الاتهامات جاءت بدوافع سياسية، لعدم قبولها بانتشار قوات "النخبة الحضرمية" الموالية لأبوظبي في مناطقها.

 بشكل عام، يبدو أن حجم وجود وانتشار تنظيم "القاعدة" وارتباطه بحضرموت مبالغ فيه. فبعد سيطرة "القاعدة" على المكلا في إبريل 2015، استقطب التنظيم عناصر من شبوة والبيضاء وأبين للمساعدة في إدارة الملف الأمني تحديداً، بعد تكفل المجلس الأهلي بإدارة الخدمات في المدينة.
 
الوجود السعودي
 
مع التطورات التي يشهدها الجنوب اليوم، قد تكون سيئون، ووادي حضرموت عموماً، بيئة مناسبة للشرعية لتمارس منها سلطاتها، لكن تلك البيئة أيضاً غير مستقرة من دون قبضة عسكرية قوية، كونها مطمعاً رئيسياً لـ"الانتقالي الجنوبي" أعلن عنه بشكل مستمر وبعد كل جولة صراع مع قوات هادي، لوقوعها ضمن جغرافيا الشطر الجنوبي من اليمن قبل الوحدة، لكن الشيوخ القبليين في وادي حضرموت أقرب للسعودية ولهم علاقات متينة باللواء علي محسن الأحمر، لكن ليس لهادي مجتمعياً أي قوة خاصة به، غير اللواء طيمس المنتمي لمحافظة الرئيس (أبين).
 
كانت السعودية حتى وقت قريب تضع في خانة الجنسية للمغتربين الحضارم على أراضيها "الجنسية: حضرمي" وليس "الجنسية: يمني"، لطبيعة العلاقات المتينة بين السعودية والنسيج الاجتماعي الحضرمي، باعتبار رجال المال والأعمال الحضارم أكبر كتلة اقتصادية في المملكة بعد السعوديين أنفسهم، وأغلبهم يحمل الجنسية السعودية اليوم. وهذا يجعل السعودية الفاعل الإقليمي الأول والأقوى في حضرموت، ومن الصعب توقّع تنازلها عن هذا النفوذ التاريخي لدولة الإمارات.
ومع هذا فقد كانت المكلا أول مدينة تخرج فيها التظاهرات ضد نظام صالح بعد حرب صيف 1994. فقد تظاهر الحضارم ضد هيمنة قوى وشخصيات شمالية في 1997، أي قبل عقد كامل على انتفاضة الجنوب في ما سمي لاحقاً بـ"الحراك الجنوبي"، لكن الدوافع الحضرمية كانت خاصة بدرجة كبيرة، فتلك التظاهرات خرجت مع نوايا علي عبد الله صالح يومها بتقسيم محافظة حضرموت إلى محافظتين، الساحل والوادي، وليست فقط لاعتبارات مشتركة مع مناطق الجنوب الأخرى.
 
"أريد هوية واضحة لأبنائي في طابور الصباح، فلم نعد قادرين على تكريس الهوية الحضرمية، ولا الهوية اليمنية، ولم تخلق هوية جديدة بعد نؤمّن عبرها أبناءنا من الضياع وفقدان الهوية، ولسنا مضطرين كحضارم أن ننتظر مشاريع آتية من خارج حضرموت لنتطلع إلى المستقبل، ولم يعد العمل الخجول على رسم مستقبل حضرموت لائقاً. فالعجلة تدور أسرع من تعقلنا، وما لم نحسم موقفنا سنستمر بالتبعية لغيرنا، كما حدث منذ 1967"، قال أستاذ في جامعة حضرموت، لـ"العربي الجديد".

وأضاف الأستاذ الجامعي، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، إن "خصوصية وتاريخ ومقدرات حضرموت تجعل إمكانية إعلانها دولة مسألة قرار وتخطيط. فما الذي يجعلني أفضّل مسلحاً قادماً من الضالع على مسلح قادم من عمران، ولماذا لا يحكم حضرموت ويستفيد من خيراتها أبناؤها وحدهم؟".

وفي السياق، قال سياسي حضرمي، طلب عدم ذكر اسمه، لـ"العربي الجديد": "ما زالت عمليات السحل التي تعرض لها علماء ووجهاء حضرموت من قبل الحزب الاشتراكي اليمني ماثلة في الذاكرة الحضرمية حتى اليوم، ولو نفذتها أيادٍ حضرمية كرئيس الحكومة السابق أحمد عبيد بن دغر. وهذا يجعل الحديث عن دولة جنوبية على حدود ما قبل 1990، بحاجة للمزيد من الدقة والحذر، فحضرموت غير مستعدة لتلدغ من الجحر ذاته مرتين".
 
هذه المعطيات والخلفية الخاصة بحضرموت، هوية وثروة وتاريخاً وثقافة، تجعل بوصلة أي قوة جنوبية لإعلان دولة مستقلة عن صنعاء، أو شمال اليمن تحت أي سلطة كانت، في عدن أو سواها، غير قادرة على التحرك في أوسع وأثرى محافظة يمنية من دون احترام طموحات الحضارم بدولة خاصة بهم، أو إقليم خاص بهم في إطار دولة اتحادية، وفقاً للنظرة الحضرمية السائدة بأن حضرموت، تاريخياً واجتماعياً، ووفقاً لمعطيات المساحة والثروة، تمتلك مقدرات إعلان دولة ثامنة في الجزيرة العربية، وليست مضطرة للانصياع إلى مركز قوة من خارجها، جنوبياً كان أو شمالياً.
 
 
المصدر: العربي الجديد
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر